فصل: تفسير الآية رقم (10)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


الجزء الثاني

سورة النساء

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ‏(‏1‏)‏‏}‏

«يا» حرف نداء «أي» منادى مفرد- و«ها» تنبيه، و‏{‏الناس‏}‏- نعت لأي أو صلة على مذهب أبي الحسن الأخفش، «والرب»‏:‏ المالك، وفي الآية تنبيه على الصانع وعلى افتتاح الوجود، وفيها حض على التواصل لحرمة هذا النسب وإن بعد، وقال‏:‏ ‏{‏واحدة‏}‏ على تأنيث لفظ النفس، وهذا كفول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى *** وأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ

وقرأ ابن أبي عبلة- «من نفس واحد» بغير هاء، وهذا على مراعاة المعنى، إذ المراد بالنفس آدم صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، والخلق في الآية‏:‏ بمعنى الاختراع، ويعني بقوله‏:‏ ‏{‏زوجها‏}‏ حواء، والزوج في كلام العرب‏:‏ امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت أبي فراس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وإنَّ الذي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتي *** كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرىَ يَسْتَبِيلُها

وقوله ‏{‏منها‏}‏، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة، إن الله تعالى خلق آدم وَحِشاً في الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله أحد أضلاعه القصيرى من شماله، وقيل‏:‏ من يمينه فخلق منه حواء، ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام‏:‏ «إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها» وكسرها طلاقها‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ معنى ‏{‏منها‏}‏ من جنسها، واللفظ يتناول المعنيين، أو يكون لحمها وجواهرها في ضلعه، ونفسها من جنس نفسه، و‏{‏بث‏}‏ معناه‏:‏ نشر، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالفراش المبثوث‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 4‏]‏ أي المنتشر، وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا، فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين، وفي تكرار الأمر بالاتقاء تأكيد وتنبيه لنفوس المأمورين‏.‏ و‏{‏الذي‏}‏ في موضع نصب على النعت- و‏{‏تساءلون‏}‏ معناه‏:‏ تتعاطفون به، فيقول أحدكم‏:‏ أسألك بالله أن تفعل كذا وما أشبهه وقالت طائفة معناه‏:‏ ‏{‏تساءلون به‏}‏ حقوقكم وتجعلونه مقطعاً لها وأصله‏:‏ «تتساءلون» فأبدلت التاء الثانية سيناً وأغمت في السين، وهذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وابن عمرو، بخلاف عنه، وقرأ الباقون- «تساءلون»- بسين مخففة وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفاً فهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة، قال أبو علي‏:‏ وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال كما قالوا‏:‏ طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طس‏:‏ قال العجاج‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

لَوْ عَرَضَتْ لأَيْبُلِيِّ قسِّ *** أشعثَ في هيكله مندسِّ

حنَّ إليها كَخَنِينِ الطَّسِّ *** وقال ابن مسعود- «تسألون»- خفيفة بغير ألف، و‏{‏الأرحام‏}‏ نصب على العطف على موضع به لأن موضعه نصب، والأظهر أنه نصب بإضمار فعل تقديره‏:‏ واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهذه قراءة السبعة إلا حمزة، وعليها فسر ابن عباس وغيره، وقرأ عبد الله بن يزيد- والأرحامُ- بالرفع وذلك على الابتداء والخبر مقدر تقديره‏:‏ والأرحام أهل أن توصل، وقرأ حمزة وجماعة من العلماء- «والأرحامِ»- بالخفض عطفاً على الضمير، والمعنى عندهم‏:‏ أنها يتساءل بها كما يقول الرجل‏:‏ أسألك بالله وبالرحم، هكذا فسرها الحسن وإبراهيم النخعي ومجاهد، وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض، قال الزجاج عن المازني‏:‏ لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز‏:‏ مررت بزيدوك، فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد، وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر، كما قال‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

فَالْيَوْمَ قَدْ بِتَّ تهجونا وتَشْتُمُنا *** فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ

وكما قال‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَاري سُيوفَنَا *** وَمَا بَيْنَها والْكَعْبِ غَوْطُ نَفَانِفِ

واستهلها بعض النحويين، قال أبو علي‏:‏ ذلك ضعيف في القياس‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان‏:‏ أحدهما أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة، والوجه الثاني أن في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله عليه السلام‏:‏ «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» وقالت طائفة‏:‏ إنما خفض- «والأرحامِ»- على جهة القسم من الله على ما اختص به إله إلا هو من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله‏:‏ ‏{‏إن الله كان عليكم رقيباً‏}‏ وهذا كلام يأباه نظم الكلام وسرده، وإن كان المعنى يخرجه- و‏{‏كان‏}‏ في هذه الآية ليست لتحديد الماضي فقط، بل المعنى‏:‏ كان وهو يكون، والرقيب‏:‏ بناء الاسم الفاعل من رقب يرقب إذا أحد النظر بالبصر أو بالبصيرة إلى أمر ما ليتحققه على ما هو عليه، ويقترن بذلك حفظ ومشاهدة وعلم بالحاصل عن الرقبة، وفي قوله ‏{‏عليكم‏}‏ ضرب من الوعيد، ولم يقل «لكم» للاشتراك الذي كان يدخل من أنه يرقب لهم ما يصنع غيرهم، ومما ذكرناه قيل للذي يرقب خروج السهم من ربابة الضريب في القداح رقيب، لأنه يرتقب ذلك، ومنه قول أبي دؤاد‏:‏ ‏[‏مجزوء الكامل‏]‏

كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ لِلضُّرَبَاءِأَيْدِيهِمْ نَوَاهِدْ‏.‏‏.‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏اليتامى‏}‏‏:‏ جمع يتيم ويتيمة، واليُتْمُ في كلام العرب فقد الأب قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يُتمَ بعد بلوغ» وهو في البهيمة فقد الأم في حال الصغر، وحكى اليتيم في الإنسان من جهة الأم، وقال ابن زيد‏:‏ هذه المخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم‏:‏ ورثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالاً طيباً وتأخذوا الكل ظلماً حراماً خبيثاً، فيجئ فعلكم ذلك تبدلاً، وقالت طائفة‏:‏ هذه المخاطبة هي لأوصياء الأيتام، والمعنى‏:‏ إذا بلغوا وأونس منهم الرشد‏:‏ وسماهم يتامى وهم قد بلغوا، استصحاباً للحالة الأولى التي قد ثبتت لهم من اليتم، ‏{‏ولا تتبدلوا‏}‏ قيل‏:‏ المراد ما كان بعضهم يفعل من أن يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف من ماله، قاله سعيد بن المسيب والزهري والسندي والضحاك، وقيل‏:‏ المراد بذلك لا تأكلوا أموالهم خبيثاً، وتدعوا أموالكم طيباً، وقيل‏:‏ معناه لا تتعجلوا أكل «الخبث» من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، قاله مجاهد وأبو صالح، و«الخبيث» و«الطيب»‏:‏ إنما هو هنا بالتحليل والتحريم، وروي عن ابن محيصن أنه قرأ- «ولا تبدلوا»- بإدغام التاء في التاء وجاز في ذلك الجمع بين ساكنين، لأن أحدهما حرف مد ولين يشبه الحركة، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم‏}‏ استوى الأيتام في النهي عن أكل «أموالهم» كانوا ورثة ممنوعين من الميراث ومحجورين، والآية نص في ‏[‏النهي عن‏]‏ قصد مال اليتيم بالأكل والتمول على جميع وجوهه، وروي عن مجاهد أنه قال‏:‏ الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ منه النهي بقوله‏:‏ ‏{‏وإن تخالطوهم فإخوانكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 220‏]‏ وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة، وقال ابن فورك عن الحسن‏:‏ إنه تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة، وقالت طائفة من المتأخرين ‏{‏إلى‏}‏ بمعنى مع، وهذا غير جيد، وروي عن مجاهد أن معنى الآية‏:‏ ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تقريب للمعنى، لا أنه أراد أن الحرف بمعنى الآخر، وقال الحذاق‏:‏ ‏{‏إلى‏}‏ هي على بابها وهي تتضمن الإضافة، التقدير‏:‏ «لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل»، كما قال تعالى ‏{‏من أنصاري إلى الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 52، الصف‏:‏ 14‏]‏ أي من ينضاف إلى الله في نصرتي والضمير في ‏{‏إنه‏}‏ عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل الظاهر، والحوب الإثم، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، تقول‏:‏ حاب الرجل يحوب حُوباً وحاباً وحَوْباً إذا أثم، قال أمية بن الأسكر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وإنَّ مُهَاجِريْنِ تَكَنَّفَاهُ *** غَدَاتئذٍ لَقَدْ خَطِئا وَخَابَا

وقرأ الحسن‏:‏ «حَوبا» بفتح الحاء، وهي لغة بني تميم، وقيل‏:‏ هو بفتح الحاء المصدر وبضمها الاسم، وتحوب الرجل إذا ألقى الحوب عن نفسه، وكذلك تحنث وتأثم وتحرج، فإن هذه الأربعة تفعل كله لأن تفعل معناه الدخول في الشيء كتعبد وتكسب وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعة تفكهون، في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 65‏]‏ أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، بدليل قوله بعد ذلك ‏{‏إنّا لمغرمون بل نحن محرومون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 66 و67‏]‏ أي يقولون ذلك، وقوله‏:‏ ‏{‏كبيراً‏}‏ نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏خفتم‏}‏ هنا بمعنى أيقنتم، واستشهد بقول الشاعر‏:‏ ‏[‏دريد بن الصمة‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

فَقُلْتُ لَهُمْ خَافُوا بألفَي مُدَجَّجٍ *** وما قاله غير صحيح، ولا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه وإنما هو من أفعال التوقع، إلا أنه قد يميل الظن فيه إلى إحدى الجهتين، وأما أن يصل إلى حد اليقين فلا، و‏{‏تقسطوا‏}‏ معناه تعدلوا، يقال‏:‏ أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، وقرأ ابن وثاب والنخعي،- «ألا تَقْسطوا» بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة- لا- كأنه قال‏:‏ ‏{‏وإن خفتم‏}‏ أن تجوروا، واختلف في تأويل الآية، فقالت عائشة رضي الله عنها، نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم، فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن، فقيل لهم‏:‏ أقسطوا في مهورهن، فمن خاف ألا يقسط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي يكايسن في حقوقهن، وقاله ربيعة، وقال عكرمة‏:‏ نزلت في قريش، وذلك أن الرجل منهم كان يتزوج العشر وأكثر وأقل، فإذا ضاق ماله مالَ على مالِ يتيمه فتزوج منه، فقيل لهم‏:‏ إن خفتم عجز أموالكم حتى تجوروا في اليتامى فاقتصروا، وقال سعيد بن جبير والسدي وقتادة وابن عباس‏:‏ إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، كانوا يتزوجون العشر وأكثر، فنزلت الآية في ذلك، أي كما تخافون «ألا تقسطوا في اليتامى» فكذلك فتحرجوا في النساء، «وانكحوا» على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه، وقال مجاهد‏:‏ إنما الآية تحذير من الزنى وزجر عنه، أي كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك فتحرجوا من الزنى، وانكحوا على ما حد لكم، قال الحسن وأبو مالك وسعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏ما طاب‏}‏، معناه ما حل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لأن المحرمات من النساء كثير‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة، و«من طاب» على ذكر من يعقل، وحكى بعض الناس أن ‏{‏ما‏}‏ في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون النكاح‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي هذا المنزع ضعف وقال ‏{‏ما‏}‏ ولم يقل- من- لأنه لم يرد تعيين من يعقل، وإنما أراد النوع الذي هو الطيب من جهة التحليل، فكأنه قال‏:‏ «فانكحوا الطيب» وهذا الأمر بالنكاح هو ندب لقوم وإباحة لآخرين بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة والأغلب مندوب إليه، قال عليه السلام‏:‏ من استطاع منكم الباءة فليتزوج و‏{‏مثنى وثلاث ورباع‏}‏‏:‏ موضعها من الإعراب نصب على البدل من ‏{‏ما طاب‏}‏، وهي نكرات لا تنصرف لأنها معدولة وصفة كذا قاله أبو علي‏.‏ وقال غيره‏:‏ هي معدولة في اللفظ وفي المعنى، وأيضاً فإنها معدولة وجمع، وأيضاً فإنها معدولة مؤنثة، قال الطبري‏:‏ هي معارف لأنها لا تدخلها الألف واللام، وخطأ الزجاج هذا القول، وهي معدولة عن اثنين، وثلاثة، وأربعة، إلا أنها مضمنة تكرار العدد إلى غاية المعدود، وأنشد الزجاج لشاعر ‏[‏ساعدة بن جؤيّة‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ولكنّما أهلي بوادٍ أنيسُهُ *** ذِئابٌ تبغّي الناسَ مثْنى ومَوْحَد

فإنما معناه اثنين اثنين، وواحد واحداً، وكذلك قولك‏:‏ جاء الرجال مثنى وثلاث، فإنما معناه‏:‏ اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «وربع» ساقطة الألف، وتلك لغة مقصدها التخفيف كما قال الشاعر‏:‏ على لسان الضب‏:‏ ‏[‏المجتث‏]‏

لا أشتهي أن أردّا *** إلا عراداً عردّا

وَعَنْكَثاً ملتبدّا *** وصَلَياناً بردّا

يريد بارداً‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم‏}‏ قال الضحاك وغيره‏:‏ المعنى ألا تعدلوا في الميل والمحبة والجماع والعشرة بين الأربع أو الثلاث أو الاثنتين، ويتوجه على قول من قال‏:‏ إنها نزلت فيمن يخاف أن ينفق مال اليتامى في نكاحاته، أن يكون المعنى‏:‏ ألا تعدلوا في نكاح الأربع والثلاث حتى تنفقوا فيه أموال يتاماكم، أي فتزوجوا واحدة بأموالكم، أو تسرّوا منها، ونصب واحدة بإضمار فعل تقديره‏:‏ فانكحوا واحدة‏.‏ وقرأ عبد الرحمن بن هرمز والحسن‏:‏ «فواحدةٌ» بالرفع على الابتداء، وتقدير الخبر‏:‏ فواحدة كافية، أو ما أشبهه، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو‏.‏ و‏{‏ما ملكت أيمانكم‏}‏ يريد به الإماء، والمعنى‏:‏ إن خاف ألا يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه، وأسند الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها، ألا ترى أنها المنفقة، كما قال عليه السلام‏:‏ «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الأليَّةُ يميناً، وهي المتلقية لكتاب النجاة ولرايات المجد، وقد نهى عليه السلام عن استعمالها في الاستنجاء وأمر المرء بالأكل بها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 5‏]‏

‏{‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ‏(‏3‏)‏ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ‏(‏4‏)‏ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏أدنى‏}‏ معناه‏:‏ أقرب، وهو من الدنو، وموضع- أن- من الإعراب نصب بإسقاط الخافض، والناصب أريحية الفعل الذي في ‏{‏أدنى‏}‏، التقدير‏:‏ ذلك أدنى إلى أن لا تعولوا، و‏{‏تعولوا‏}‏ معناه‏:‏ تميلوا، قاله ابن عباس وقتادة والربيع وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك والسدي وغيرهم، يقال‏:‏ عال الرجل يعول‏:‏ إذا مال وجار، ومنه قول أبي طالب في شعره في النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

بميزان قسط لا يخسُّ شعيرة *** ووزان صدق وزنه غير عائل

يريد غير مائل، ومنه قول عثمان لأهل الكوفة حين كتب إليهم‏:‏ إني لست بميزان لا أعول، ويروى بيت أبي طالب‏:‏ «له شاهد من نفسه غير عائل» وعال يعيل، معناه‏:‏ افتقر فصار عالة، وقالت فرقة منهم زيد بن أسلم وابن زيد والشافعي‏:‏ معناه‏:‏ ذلك أدنى ألا يكثر عيالكم، وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول‏:‏ عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقدح في هذا الزجاج وغيره، بأن الله قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هن مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الفادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة، وقوله‏:‏ ‏{‏وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة‏}‏ قال ابن عباس وقتادة وابن جريج‏:‏ إن الخطاب في هذه الآية للأزواج، أمرهم الله أن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم، وقال أبو صالح‏:‏ الخطاب لأولياء النساء، لأن عادة بعض العرب كانت أن يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام وأمر بأن يدفع ذلك إليهن، وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه‏:‏ زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والآية تتناول هذه الفرق الثلاث، قرأ الجمهور الناس والسبعون «صَدٌقاتهن» بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم «صُدُقاتهن» بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره «صُدْقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال، وقرأ ابن وثاب والنخعي «صدقتهن» بالإفراد وضم الصاد وضم الدال‏.‏ والإفراد من هذا صدَقة‏.‏ و‏{‏نحلة‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ نحلة منكم لهن أي عطية، وقيل التقدير‏:‏ من الله عز وجل لهن، وذلك لأن الله جعل الصداق على الرجال ولم يجعل على النساء شيئاً، وقيل ‏{‏نحلة‏}‏ معناه‏:‏ شرعة، مأخوذ من النحل تقول‏:‏ فلان ينتحل دين كذا، وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء، ويتجه مع سواه، ونصبها على أنها من الأزواج بإضمار فعل من لفظها، تقديره- انحلوهن نحلة، ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر، وإن كان من غير اللفظ لأنه مناسب للنحلة في المعنى ونصبها على أنها من الله عز وجل بإضمار فعل مقدر من اللفظ لا يصح غير ذلك، وعلى أنها شريعة هي أيضاً من الله وقوله‏:‏ ‏{‏فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً‏}‏ الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف في الأزواج والأولياء، والمعنى‏:‏ إن وهبن غير مكرهات طيبة نفوسهن، والضمير في ‏{‏منه‏}‏ راجع على الصداق، وكذلك قال عكرمة وغيره، أو على الإيتاء، وقال حضرمي‏:‏ سبب الآية أن قوماً تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوا إلى الزوجات، و‏{‏نفساً‏}‏ نصب على التمييز، ولا يجوز تقدمه على العامل عند سيبويه إلا في ضرورة شعر مع تصرف العامل، وإجازة غيره في الكلام‏.‏

ومنه قول الشاعر ‏[‏المخبل السعدي‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وما كان نفساً بالفراق تطيب *** و«من»- تتضمن الجنس ها هنا، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقفت «من» على التبعيض لما جاز ذلك، وقرئ «هنياً مرياً» دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري، قال الطبري‏:‏ ومن هناء البعير أن يعطي الشفاء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون‏:‏ الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون‏:‏ يقولون هنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا‏:‏ أمرني على وزن أفعل‏.‏ قال أبو علي‏:‏ وهذا كما جاء في الحديث «ارجعن مأزورات غير مأجورات» فإنما اعتلت الواو من موزورات إتباعاً للفظ مأجورات، فكذلك مرأني اتباعاً لهنأني، ودخل رجل على علقمة- وهو يأكل شيئاً مما وهبته امرأته من مهرها- فقال له‏:‏ كل من الهنيء المريء، قال سيبويه؛ ‏{‏هنيئاً مريئاً‏}‏ صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره، المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا‏:‏ ثبت ذلك «هنيئاً مريئاً»‏.‏

وقوله ‏{‏ولا تؤتوا السفهاء‏}‏ الآية، اختلف المتأولون في المراد ب ‏{‏السفهاء‏}‏، فقال ابن مسعود والسدي والضحاك والحسن وغيرهم‏:‏ نزلت في ولد الرجل الصغار وامرأته، وقال سعيد بن جبير‏:‏ نزلت في المحجورين «السفهاء» وقال مجاهد‏:‏ نزلت في النساء خاصة، وروي عن عبد الله بن عمر أنه مرت به امرأة لها شارة فقال لها ‏{‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏}‏ الآية، وقال أبو موسى الأشعري والطبري وغيرهما‏:‏ نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط الله من السفه كان من كان، وقول من خصها بالنساء يضعف من جهة الجمع، فإن العرب إنما تجمع فعيلة على فعائل أو فعيلات، وقوله ‏{‏أموالكم‏}‏ يريد أموال المخاطبين، هذا قول أبي موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة، وقال سعيد بن جبير‏:‏ يريد أموال «السفهاء»، وأضافها إلى المخاطبين تغبيطاً بالأموال، أي هي لهم إذا احتاجوا، كأموالكم لكم التي تقي أعراضكم، وتصونكم وتعظم أقدراكم، ومن مثل هذا

‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 29‏]‏ وما جرى مجراه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والنخعي و«اللاتي» والأموال‏:‏ طمع لما لا يعقل، فالأصوب فيه قراءة الجماعة، و‏{‏قيماً‏}‏ جمع قيمة كديمة وديم، وخطأ ذلك أبو علي وقال‏:‏ هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم‏:‏ جياد في جميع جواد، وكما قالت بنو ضبة‏:‏ طويل وطيال، ونحو هذا، وقوماً وقواماً وقياماً، معناها‏:‏ ثباتاً في صلاح الحال، ودواماً في ذلك، وقرأ نافع وابن عامر ‏{‏قيماً‏}‏ بغير ألف، وروي أن أبا عمرو فتح القاف من قوله‏:‏ قواماً، وقياماً- كان أصله قواماً، فردت كسرة القاف الواو ياء للتناسب، ذكرها ابن مجاهد ولم ينسبها، وهي قراءة أبي عمرو والحسن، وقرأ الباقون ‏{‏قياماً‏}‏ وقرأت طائفة «قواماً» وقوله‏:‏ ‏{‏وارزقوهم فيها واكسوهم‏}‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجه وبنيه الأصاغر، وقيل‏:‏ في المحجورين من أموالهم، و‏{‏معروفاً‏}‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ ادعوا لهم‏:‏ بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل‏:‏ معناه عدوهم وعداً حسناً، أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ومعنى اللفظ كل كلام تعرفه النفوس وتأنس إليه ويقتضيه الشرع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ‏(‏6‏)‏‏}‏

هذه مخاطبة للجميع، والمعنى‏:‏ يخلص التلبس بهذا الأمر للأوصياء، والابتلاء‏:‏ الاختبار، و‏{‏بلغوا النكاح‏}‏، معناه‏:‏ بلغوا مبلغ الرجال بحلم وحيض أو ما يوازيه، ومعناه‏:‏ جربوا عقولهم وقرائحهم وتصرفهم، و‏{‏آنستم‏}‏، معناه علمتم وشعرتم وخبرتم، كما قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

آنَسَتْ نَبْأَةً وأفزعها القنّاص *** عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْساءُ

وقرأ ابن مسعود- «حسْتم»- بالحاء وسكون السين على مثال فعلتم، وقرأ أبو عبد الرحمن وأبو السمال وابن مسعود وعيسى الثقفي‏:‏ «رشداً» بفتح الراء والشين والمعنى واحد، ومالك رحمه الله يرى الشرطين‏:‏ البلوغ، والرشد المختبر، وحينئذ يدفع المال، وأبو حنيفة يرى أن يدفع المال بالشرط الواحد ما لم يحتفظ له سفه كما أبيحت التسرية بالشرط الواحد وكتاب الله قد قيدها بعدم الطول وخوف العنت، إلى غير ذلك من الأمثلة، كاليمين والحنث اللذين بعدهما تجب الكفارة، ولكنها تجوز قبل الحنث‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والتمثيل عندي في دفع المال بنوازل الشرطين غير صحيح، وذلك أن البلوغ لم تسقه الآية سياق الشرط، ولكنه حالة الغالب على بني آدم أن تلتئم عقولهم فيها، فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه، فقال إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو الرشد حينئذ، وفصاحة الكلام تدل على ذلك، لأن التوقيف بالبلوغ جاء ب ‏{‏إذا‏}‏ والمشروط جاء ب ‏{‏إن‏}‏ التي هي قاعدة حروف الشرط، و‏{‏إذا‏}‏ ليست بحرف شرط لحصول ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازى بها في الشعر، وقال‏:‏ فعلوا ذلك مضطرين، وإنما جوزي به لأنها تحتاج إلى جواب، ولأنها يليها الفعل مظهراً أو مضمراً، واحتج الخليل على منع شرطيتها بحصول ما بعدها، ألا ترى أنك تقول أجيئك إذا احمر البسر، ولا تقول‏:‏ إن احمر البسر، وقال الحسن وقتادة‏:‏ الرشد في العقل والدين، وقال ابن عباس‏:‏ بل في العقل وتدبير المال لا غير، وهو قول ابن القاسم في مذهبنا، والرواية الأخرى‏:‏ أنه في العقل والدين مروية عن مالك، وقالت فرقة‏:‏ دفع الوصي المال إلى المحجور يفتقر إلى أن يرفعه إلى السلطان ويثبت عنده رشده، أو يكون ممن يأمنه الحاكم في مثل ذلك، وقالت فرقة‏:‏ ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والصواب في أوصياء زمننا أن لا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الوصي ويبري المحجور لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوها‏}‏ الآية، نهي من الله تعالى للأوصياء عن كل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، والإسراف‏:‏ الإفراط في الفعل، والسرف الخطأ في مواضع الإنفاق، ومنه قول الشاعر ‏[‏جرير‏]‏‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

ما في عَطائِهِمُ مَنٌّ وَلاَ سَرَفُ *** أي لا يخطئون مواضع العطاء ‏{‏وبداراً‏}‏‏:‏ معناه مبادرة كبرهم، أي إن الوصي يستغنم مال محجوره فيأكل ويقول‏:‏ أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله، قاله ابن عباس وغيره‏.‏ و‏{‏أن يكبروا‏}‏ نصب ببدار، ويجوز أن يكون التقدير مخافة أن وقوله‏:‏ ‏{‏ومن كان غنياً فليستعفف‏}‏ الآية، يقال‏:‏ عف الرجل عن الشيء واستعف‏:‏ إذا أمسك، فأمر الغني بالإمساك عن مال اليتيم، وأباح الله للوصي الفقير أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف، واختلف العلماء في حد المعروف، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية‏:‏ إن ذلك القرض أن يتسلف من مال يتيمه ويقضي إذا أيسر، ولا يتسلف أكثر من حاجته، وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة والسدي وعطاء‏:‏ روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إني نزلت من مال الله منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت‏.‏ وروي عن إبراهيم وعطاء وغيرهما أنه لا قضاء على الوصي الفقير فيما أكل بالمعروف، قال الحسن‏:‏ هي طعمة من الله له، وذلك أن يأكل ما يقيمه أكلاً بأطراف الأصابع، ولا يكتسي منه بوجه، وقال إبراهيم النخعي ومكحول‏:‏ يأكل ما يقيمه ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الكتان والحلل، وقال ابن عباس وأبو العالية والحسن والشعبي‏:‏ إنما يأكل الوصي بالمعروف إذا شرب من اللبن وأكل من الثمر بما يهنأ الجربى ويليط الحوض ويجد الثمر وما أشبهه، وقالت فرقة‏:‏ المعروف أنه يكون له أجر بقدر عمله وخدمته، وقال الحسن بن حي‏:‏ إن كان وصي أب فله الأكل بالمعروف، وإن كان وصي حاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه، وقال ابن عباس والنخعي‏:‏ المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من ماله حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن‏:‏ المراد اليتامى في الحالين، أي‏:‏ من كان منهم غنياً فليعف بماله، ومن كان فقيراً فليتقتر عليه بالمعروف والاقتصاد، وقوله‏:‏ ‏{‏فإذا دفعتم‏}‏ الآية‏.‏ أمر من الله بالتحرز والحزم، وهذا هو الأصل في الإشهاد في المدفوعات كلها، إذا كان حبسها أولاً معروفاً، وقالت فرقة‏:‏ الإشهاد ها هنا فرض وقالت فرقة‏:‏ هو ندب إلى الحزم، وروى عمر بن الخطاب وابن جبيرة أن هذا هو دفع ما يستقرضه الوصي الفقير إذا أيسر، واللفظ يعم هذا وسواه، والحسيب هنا المحسب، أي هو كاف من الشهود، هكذا قال الطبري، والأظهر ‏{‏حسيباً‏}‏ معناه‏:‏ حاسباً أعمالكم ومجازياً بها، ففي هذا وعيد لكل جاحد حق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ‏(‏7‏)‏ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏(‏8‏)‏ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ‏(‏9‏)‏‏}‏

سمى الله عز وجل الأب والداً لأن الولد منه ومن الوالدة، كما قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

بِحَيْثُ يَعْتشُّ الغُرَابُ البَائِضُ *** لأن البيض من الأنثى والذكر، قال قتادة وعكرمة وابن زيد‏:‏ وسبب هذه الآية، أن العرب كان منها من لا يورث النساء ويقول‏:‏ لا يرث إلا من طاعن بالرمح وقاتل بالسيف فنزلت هذه الاية، قال عكرمة‏:‏ سببها خبر أم كحلة، مات زوجها وهو أوس بن سويد وترك لها بنتاً فذهب عم بنيها إلى أن لا ترث فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال العم‏:‏ هي يا رسول الله لا تقاتل ولا تحمل كلاً ويكسب عليها ولا تكسب، واسم العم ثعلبة فيما ذكره‏.‏ و‏{‏نصيباً مفروضاً‏}‏، نصب على الحال، كذا قال مكي، وإنما هو اسم نصب كما ينصب المصدر في موضع الحال، تقديره‏:‏ فرضاً لذلك جاز نصبه، كما تقول‏:‏ لك عليَّ كذا وكذا حقاً واجباً، ولولا معنى المصدر الذي فيه ما جاز في الاسم الذي ليس بمصدر هذا النصب، ولكان حقه الرفع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا حضر القسمة‏}‏ الآية، اختلف المتأولون فيمن خوطب بهذه الآية على قولين‏:‏ أحدهما أنها مخاطبة للوارثين، والمعنى‏:‏ إذا حضر قسمتكم لمال موروثكم هذه الأصناف الثلاثة، ‏{‏فارزقوهم منه‏}‏ ثم اختلف قائلو هذا القول، فقال سعيد بن المسيب وأبو مالك والضحاك وابن عباس فيما حكى عنه المهدوي‏:‏ نسخ ذلك بآية المواريث‏.‏ وكانت هذه قسمة قبل المواريث، فأعطى الله بعد ذلك كل ذي حق حقه، وجعلت الوصية للذين يحزنون ولا يرثون، وقال ابن عباس والشعبي ومجاهد وابن جبير‏:‏ ذلك محكم لم ينسخ، وقال ابن جبير‏:‏ وقد ضيع الناس هذه الآية، قال الحسن‏:‏ ولكن الناس شحوا، وامتثل ذلك جماعة من التابعين، عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري، واختلف القائلون بأحكامها، فقالت فرق‏:‏ ذلك على جهة الفرض والوجوب أن يعطى الورثة لهذه الأصناف ما تفه وطابت به نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق، وما خف كالتابوت، وما تعذر قسمه، وقال ابن جبير والحسن‏:‏ ذلك على جهة الندب، فمن تركه فلا حرج عليه، واختلف في هذا القول إذا كان الوراث صغيراً لا يتصرف في ماله، فقال سعيد بن جبير وغيره، هذا على وجه المعروف فقط يقوله ولي الوارث دون عطاء ينفذ، وقالت فرقة‏:‏ بل يعطي ولي الوراث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى، والقول الثاني فيمن خوطب بها‏:‏ إن الخطاب للمحتضرين الذين يقسمون أموالهم بالوصية، فالمعنى‏:‏ إذا حضركم الموت أيها المؤمنون، وقسمتم أموالكم بالوصية وحضركم من لا يرث من ذي القرابة واليتامى فارزقوهم منه قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد قال‏:‏ كانوا يقولون للوصي‏:‏ فلان يقسم ماله، ومعنى «حضر»‏:‏ شهد، إلا أن الصفة بالضعف واليتم والمسكنة تقضي أن ذلك هو علة الرزق، فحيث وجدت رزقوا وإن لم يحضروا القسمة، و‏{‏أولو‏}‏‏:‏ اسم جمع لا واحد له من لفظه، ولا يكون إلا مضافاً للإبهام الذي فيه، وربما كان واحده من غير لفظه‏:‏ ذو، واليتم‏:‏ الانفراد واليتيم‏:‏ الفرد، وكذلك سمي من فقد أباه يتيماً لانفراده، ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية، أن يصنع لهم طعام يأكلونه، وفعلا ذلك، ذبحا شاة من التركة، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏فارزقوهم‏}‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ عائد على الأصناف الثلاثة، وغير ذلك من تفريق عود الضميرين كما ذهب إليه الطبر تحكم- والقول المعروف‏:‏ كل ما يؤنس به من دعاء أو عدة أو غير ذلك‏.‏

وقوله ‏{‏وليخش‏}‏ جزم بلام الأمر، ولا يجوز إضمار هذه اللام عند سيبويه، قياساً على حروف الجر، إلا في ضرورة شعر، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ *** إذا مَا خِفْتَ مِنْ أمْرٍ تَبَالاً

وقرأ أبو حيوة وعيسى بن عمر والحسن والزهري‏:‏ بكسر لامات الأمر في هذه الآية، وقد تقدم الكلام على لفظ ‏{‏ذرية‏}‏ في سورة آل عمران، ومفعول يخشى محذوف لدلالة الكلام عليه، وحسن حذفه من حيث يتقدر فيه التخويف بالله تعالى‏.‏ والتخويف بالعاقبة في الدنيا، فينظر كل متأول بحسب الأهم في نفسه، وقرأ أبو عبد الرحمن وأبو حيوة والزهري وابن محيصن وعائشة‏:‏ «ضُعفاء» بالمد وضم الضاد، وروي عن ابن محيصن «ضُعُفاُ» بضم الضاد والعين وتنوين الفاء، وأمال حمزة ‏{‏ضعافاً‏}‏ وأمال- ‏{‏خافوا‏}‏، والداعي إلى إمالة ‏{‏خافوا‏}‏ الكسرة التي في الماضي في قولك‏:‏ خفت ليدل عليها و‏{‏خافوا‏}‏ جواب ‏{‏لو‏}‏ تقديره‏:‏ لو تركوا لخافوا ويجوز حذف اللام في جواب- لو- تقول- لو قام زيد لقام عمرو، ولو قام زيد قام عمرو، واختلف مَن المراد بهذه الآية‏؟‏ فقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد‏:‏ المراد من حضر ميتاً حين يوصي فيقول له‏:‏ قدم لنفسك وأعط فلان وفلانة ويؤذي الورثة بذلك، فكأن الآية تقول لهم‏:‏ كما كنتم تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم وذريته، ولا تحملوه على تبذير ماله وتركهم عالة‏.‏ وقال مقسم وحضرمي‏:‏ نزلت في عكس ذلك، وهو أن يقول للمحتضر‏:‏ أمسك على ورثتك وأبق لولدك، وينهاه عن الوصية فيضر بذلك ذوي القربى، وكل من يستحق أن يوصي له، فقيل لهم‏:‏ كما كنتم تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك فسددوا القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضرهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد، وللآخر القول الثاني، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال معه، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ المراد بالآية ولاة الأيتام، فالمعنى‏:‏ أحسنوا إليهم وسددوا القول لهم، واتقوا الله في أكل أموالهم كما تخافون على ذريتكم أن يفعل بهم خلاف ذلك، وقالت فرقة‏:‏ بل المراد جميع الناس، فالمعنى‏:‏ أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم، وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل أحد أن يفعل بولده بعده، ومن هذا ما حكاه الشيباني قال‏:‏ كنا على قسطنطينة في عسكر مسلمة بن عبد الملك، فجلسنا يوماً في جماعة من أهل العلم فيهم الديلمي فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان، فقلت له‏:‏ يا أبا بسر ودي أن لا يكون لي ولد، فقال لي‏:‏ ما عليك، ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت أحب أم كره، ولكن إن أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا هذه الآية، «والسديد» معناه‏:‏ المصيب للحق، ومنه قول الشاعر‏:‏

أعلمه الرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني

معناه لما وافق الأغراض التي يرمي إليها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ‏(‏10‏)‏‏}‏

قال ابن زيد‏:‏ نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء والصغار، ويأكلون أموالهم، وقال أكثر الناس‏:‏ نزلت في الأوصياء الذي يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم، وهي تتناول كل آكل وإن لم يكن وصياً، وسمي آخذ المال على كل وجوهه آكلاً لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر الإتلاف للأشياء، وفي نصه على البطون من الفصاحة تبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخرق، من التهافت بسبب البطن، وهو أنقص الأسباب وألأمها حتى يدخلوا تحت الوعيد بالنار، و‏{‏ظلماً‏}‏ معناه‏:‏ ما جاوز المعروف مع فقر الوصي، وقال بعض الناس‏:‏ المعنى أنه لما يؤول أكلهم للأموال إلى دخولهم النار قيل‏:‏ ‏{‏يأكلون‏}‏ النار، وقالت طائفة‏:‏ بل هي حقيقة أنهم يطعمون النار، وفي ذلك أحاديث، منها حديث أبي سعيد الخدري قال‏:‏ حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به، قال، رأيت أقواماً لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، تخرج من أسافلهم، قلت‏:‏ يا جبريل من هؤلاء‏؟‏ قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقرأ جمهور الناس «وسيَصلون» على إسناد الفعل إليهم، وقرأ ابن عامر بضم الياء واختلف عن عاصم، وقرأ أبو حيوة، و«سيُصلُون» بضم الياء واللام، وهي ضعيفة، والأول أصوب، لأنه كذلك جاء في القرآن في قوله‏:‏ ‏{‏لا يصلاها إلا الأشقى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 16‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏صال الجحيم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 163‏]‏ والصلي هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد‏:‏

لم أكن من جناتها، علم الله *** وإني بحرِّها اليوم صال

والمحترق الذي يذهبه الحرق ليس بصال إلا في بدء أمره، وأهل جهنم لا تذهبهم فهم فيها صالون، «والسعير»‏:‏ الجمر المشتعل، وهذه آية من آيات الوعيد، والذي يعتقده أهل السنة ان ذلك نافذ على بعض العصاة، لئلا يقع الخبر بخلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم، وتلخيص الكلام في المسألة‏:‏ أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، هذا عرفهما إذا أطلقا، وقد يستعمل الوعد في الشر مقيداً به، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏النار وعدها الله، الذين كفروا‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 72‏]‏ فقالت المعتزلة‏:‏ آيات الوعد كلها في التائبين والطائعين، وآيات الوعيد في المشركين والعصاة بالكبائر، وقال بعضهم‏:‏ وبالصغائر، وقالت المرجئة‏:‏ آيات الوعد كلها فيمن اتصف بالإيمان الذي هو التصديق، كان من كان من عاص أو طائع، وقلنا أهل السنة والجماعة‏:‏ آيات الوعد في المؤمنين الطائعين ومن حازته المشيئة من العصاة، وآيات الوعيد في المشركين ومن حازه الإنفاذ من العصاة، والآية الحاكمة بما قلناه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لما يشاء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48 و116‏]‏ فإن قالت المعتزلة لمن يشاء يعني التائبين، رد عليهم بأن الفائدة في التفضيل كانت تنفسد، إذ الشرك أيضاً يغفر للتائب، وهذا قاطع بحكم قوله ‏{‏لمن يشاء‏}‏ بأن ثم مغفوراً له وغير مغفور، واستقام المذهب السني‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏11‏)‏ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوصيكم‏}‏ يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظة أمر- كيف تصرفت، وأما صيغة الأمر من غير اللفظة ففيها الخلاف الذي سيأتي موضعه إن شاء الله، ونحو هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلك وصاكم به‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏ وقيل‏:‏ نزلت هذه الآية بسبب بنات سعد بن الربيع وقال السدي‏:‏ نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت، وقيل‏:‏ بسبب جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، قال جابر بن عبد الله، وذكر أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت الآيات تبييناً أن لكل أنثى وصغير حظه، وروي عن ابن عباس‏:‏ أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات، و‏{‏مثل‏}‏ مرتفع بالابتداء أو بالصفة، تقديره حظ مثل حظ، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «في أولادكم أن للذكر» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كن نساء‏}‏ الآية الأولاد لفظ يجمع الذكران والإناث، فلما أراد بهذه الآية أن يخص الإناث بذكر حكمهن أنث الفعل للمعنى، ولو اتبع لفظ الأولاد لقال كانوا، واسم- كان- مضمر، وقال بعض نحويي البصرة‏:‏ تقديره وإن كن المتروكات «نساء» وقوله‏:‏ ‏{‏فوق اثنتين‏}‏ معناه‏:‏ «اثنتين» فما فوقهما، تقتضي ذلك قوة الكلام، وأما الوقوف مع اللفظ فيسقط معه النص على الاثنتين، ويثبت الثلثان لهما بالإجماع الذي مرت عليه الأمصار والأعصار، ولم يحفظ فيه خلاف، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس‏:‏ أنه يرى لهما النصف‏.‏ ويثبت أيضاً ذلك لهما بالقياس على الأختين المنصوص عليهما، ويثبت لهما بالحديث الذي ذكره الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين بالثلثين، ومن قال‏:‏ ‏{‏فوق‏}‏ زائدة واحتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوق الأعناق‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 12‏]‏ هو الفصيح، وليست ‏{‏فوق‏}‏ زائدة بل هي محكمة المعنى لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة «اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال‏:‏ وقد احتج لأخذهما الثلثين بغير هذا، وكله معارض، قال إسماعيل القاضي‏:‏ إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها الثلث إذا انفرد، فأحرى أن تأخذ ذلك مع أختها قال غيره‏:‏ وكما كان حكم الاثنين فما فوقهما من الإخوة للأم واحداً، فكذلك البنات، وقال النحاس‏:‏ لغة أهل الحجاز وبني أسد، الثلث والربع إلى العشر، وقد قرأ الحسن ذلك كله بإسكان الأوسط، وقرأه الأعرج، ومذهب الزجاج‏:‏ أنها لغة واحدة، وأن سكون العين تخفيف، وإذا أخذ بنات الصلب الثلثين، فلا شيء بعد ذلك لبنات الابن، إلا أن يكون معهن أخ لهن، أو ابن أخ، فيرد عليهن، وعبد الله بن مسعود لا يرى لهن شيئاً، وإن كان الأخ أو ابن الأخ، ويرى المال كله للذكر وحده دونهن‏.‏

قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلَّ وَاحِدٍ مَّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأٌمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْدَيْنٍ‏}‏

قرا السبعة سوى نافع «واحدةً» بالنصب على خبر كان، وقرأ نافع واحدة بالرفع على أن كان بمعنى وقع وحصر، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي‏:‏ «النُّصف» بضم النون، وكذلك قرأه علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في جميع القرآن، وقوله‏:‏ ‏{‏ولد‏}‏ يريد ذكراً أو أنثى، واحداً أو جماعة للصلب أو ولد ولد ذكر، فإن ذلك كيف وقع يجعل فرض الأب السدس، وإن أخذ النصف في ميراثه فإنما يأخذه بالتعصيب، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن لم يكن له ولد‏}‏ الآية، المعنى‏:‏ فإن لم يكن له ولد، ولا ولد ولد ذكر، ذكراً كان أو أثنى، وقوله‏:‏ ‏{‏ووراثه أبواه‏}‏ تقتضي قوة الكلام أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، فعلى هذا يكون قوله ‏{‏وورثه‏}‏ حكماً لهما بالمال فإذا ذكر وحدّ بعد ذلك نصيب أحدهما أخذ النصيب الآخر، كما تقول لرجلين‏:‏ هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما، أنت يا فلان لك منه الثلث، فقد حددت للآخر منه الثلثين، بنص كلامك، وعلى أن فريضتهما خلت من الولد وغيره يجيء قول أكثر الناس‏:‏ إن للأم مع الانفراد الثلث من المال كله، فإن كان معهما زوج كان «للأم السدس» وهو الثلث بالإضافة إلى الأب، وعلى أن الفريضة خلت من الولد فقط يجيء قول شريح وابن عباس‏:‏ إن الفريضة إذا خلت من الولد أخذت «الأم الثلث» من المال كله مع الزوج، وكان ما بقي للأب ويجيء على هذا، قوله‏:‏ ‏{‏وورثه أبواه‏}‏‏.‏ منفردين أو مع غيرهم‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي «فلإمه» بكسر الهمزة، وهي لغة حكاها سيبويه، وكذلك كسر الهمزة من قوله‏:‏ ‏{‏في بطون أمهاتكم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 32‏]‏ وفي ‏{‏أمها‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 59‏]‏ وفي ‏{‏أم الكتاب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 7، الرعد‏:‏ 39، الزخرف‏:‏ 4‏]‏ وهذا كله إذا وصلا إتباعاً للكسرة أو الياء التي قبل الهمزة، وقرأ الباقون كل هذا بضم الهمزة، وكسر همزة الميم من «امهاتكم» إتباعاً لكسر الهمزة، ومتى لم يكن وصل وياء أو كسرة فالضم باتفاق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كان له إخوة فلأمه السدس‏}‏ الإخوة يحطون الأم إلى السدس ولا يأخذونه، أشقاء كانوا أو للأب أو للأم، وقال من لا يعد قوله إلا في الشذوذ‏:‏ إنهم يحطون ويأخذون ما يحطون لأنفسهم مع الأب، روي عن ابن عباس، وروي عنه خلافة مثل قول «السدس» الذي يحجبون «الأم» عنه، قال قتادة‏:‏ وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم، ويلي نكاحهم، والنفقة عليهم، هذا في الأغلب، ومجمعون على أن أخوين فصاعداً يحجبون الأم عنه، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس، أن الأخوين، في حكم الواحد، ولا يحجب الأم أقل من ثلاثة‏.‏

واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتصي أنها جمع، وذكر المفسرون أن العرب قد تأتي بلفظ الجمع وهي تريد التثنية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 78‏]‏ وكقوله في آية الخصم ‏{‏إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 21، 22‏]‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏وأطراف النهار‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 130‏]‏ واحتجوا بهذا كله في أن الإخوة يدخل تحته الأخوان‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية، لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان، فساغ التجوز بأن يؤتى بلفظ الجمع بعد ذلك، إذ معك في الأولى- يحكمان- وفي الثانية- إن هذا أخي، وأيضاً فالحكم قد يضاف إلى الحاكم والخصوم، وقد يتسور مع الخصم وغيرهما فهم جماعة، وأما ‏{‏النهار‏}‏ في الآية الثالثة فالألف واللام فيه للجنس فإنما أراد طرفي كل يوم وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد فإنما يحمل على الجمع، ولا يحمل على التثنية، لأن اللفظ مالك للمعنى وللبنية حق، وذكر بعض من احتج لقول عبد الله بن عباس‏:‏ أن بناء التثنية يدل على الجنس والعدد، كبناء الإفراد وبناء الجمع يدل على الجنس ولا يدل على العدد فلا يصح أن يدخل هذا على هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي- «يوصي»- بإسناد الفعل إلى الموروث، إذ قد تقدم له ذكر، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، «يوصَى» بفتح الصاد ببنيه الفعل للمفعول الذي لم يسَّم فاعله، وقرأ الحسن بن أبي الحسن‏:‏ «يوصَّى» بفتح الصاد وتشديدها، وكل هذا في الموضعين، وقرأ حفص عن عاصم في الأولى بالفتح، وفي الثانية بالكسر، وهذه الآية إنما قصد بها تقديم هذين الفعلين على الميراث، ولم يقصد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدمت الوصية في اللفظ، والدين مقدم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا‏:‏ إنه قدم الوصية إذ هي أقل لزوماً من الدين، اهتماماً بها وندباً إليها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يغادر صغيرة ولا كبيرة‏}‏

‏[‏الكهف‏:‏ 49‏]‏ وأيضاً قدمها من جهة أنها مضمنها الوصية التي هي كاللازم يكون لكل ميت، إذ قد حض الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بد منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحياناً، ويقوي هذا كون العطف ب ‏{‏أو‏}‏، ولو كان الدين راتباً لكان العطف بالواو، وقدمت الوصية أيضاً إذ هي حظ مساكين وضعاف وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة، وهو صاحب حق له فيه، كما قال عليه السلام إن لصاحب الحق مقالاً وأجمع العلماء على أن ليس لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، واستحب كثير منهم أن لا يبلغ الثلث، وأن يغض الناس إلى الربع‏.‏

‏{‏آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ‏}‏

‏{‏آباؤكم وأبناؤكم‏}‏ رفع الابتداء، والخبر مضمر تقديره‏:‏ هم المقسوم عليهم، وهم المعطون، وهذا عرض للحكمة في ذلك، وتأنيس للعرب الذين كانوا يورثون على غير هذه الصفة، و‏{‏لا تدرون‏}‏ عامل في الجملة بالمعنى ومعلق عن العمل في اللفظ بحسب المعمول فيه، إذ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و‏{‏نفعاً‏}‏، قال مجاهد والسدي وابن سيرين‏:‏ معناه في الدنيا، أي إذا اضطر إلى نفاقهم للحاجة نحا إليه الزجاج، وقد ينفقون دون اضطرار، وقال ابن عباس والحسن، في الآخرة، أي بشفاعة الفاضل للمفضول، وقال ابن زيد‏:‏ فيهما، واللفظ يقتضي ذلك، و‏{‏فريضة‏}‏ نصب على المصدر المؤكد، إذ معنى ‏{‏يوصيكم‏}‏ يفرض عليكم، وقال مكي وغيره‏:‏ هي حال مؤكدة، وذلك ضعيف، والعامل ‏{‏يوصيكم‏}‏، و‏{‏كان‏}‏ هي الناقصة، قال سيبويه لما رأوا علماً وحكمة قيل لهم‏:‏ إن الله لم يزل هكذا وصيغة- كان- لا تعطي إلا المضي، ومن المعنى بعد يعلم أن الله تعالى كان كذلك، وهو ويكون، لا من لفظ الآية، وقال قوم‏:‏ ‏{‏كان‏}‏ بمعنى وجد ووقع، و‏{‏عليماً‏}‏ حال، وفي هذا ضعف، ومن قال‏:‏ ‏{‏كان‏}‏ زائدة فقوله خطأ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن نصف ما ترك أزواجكم‏}‏ الآية‏.‏ الخطاب للرجال والولد ها هنا بنو الصلب وبنو ذكورهم وإن سفلوا، ذكراناً وإناثاً، واحداً فما زاد هذا بإجماع من العلماء‏.‏

قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مَمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَإن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِ‏}‏

والولد في هذه الآية كما تقدم في الآية التي قبلها، والثمن للزوجة أو للزوجات هن فيه مشتركات بإجماع، ويلحق العول فرض الزوج والزوجة، كما يلحق سائر الفرائض المسماة، إلا عند ابن عباس، فإنه قال‏:‏ يعطيان فرضهما بغير عول، والكلالة‏:‏ مأخوذة من تكلل النسب‏:‏ أي أحاط، لأن الرجل إذا لم يترك والداً ولا ولداً فقد انقطع طرفاه، وبقي أن يرثه من يتكلله نسبه، أي يحيط به من نواحيه كالإكليل، وكالنبات إذا أحاط بالشيء، ومنه‏:‏ روض مكلل بالزهر، والإكليل منزل القمر يحيط به فيه كواكب، ومن الكلالة قول الشاعر‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

فإنّ أبا الْمَرْءِ أحمَصُ له *** ومولى الكَلاَلَةِ لا يَغْضَبُ

فالأب والابن هما عمودا النسب، وسائر القرابة يكللون، وقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وسليم بن عبيد وقتادة والحكم وابن زيد والزهري وأبو إسحاق السبيعي‏:‏ «الكلالة» خلو الميت عن الولد اوالوالد، وهذا هو الصحيح، وقالت طائفة‏:‏ هي خلو الميت من الولد فقط، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعن عمر، ثم رجعا عنه، وروي عن ابن عباس، وذلك مستقراً من قوله في الإخوة مع الوالدين‏:‏ إنهم يحيطون الأم ويأخذون ما يحطونها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ هكذا حكى الطبري‏.‏ ويلزم على قول ابن عباس إذ ورثهم بأن الفريضة «كلالة» أن يعطيهم الثلث بالنص، وقالت طائفة منهم الحكم بن عتيبة‏:‏ «الكلالة» الخلو من الوالد، وهذان القولان ضعيفان، لأن من بقي والده أو ولده، فهو موروث بجزم نسب لا بتكلل، وأجمعت الآن الأمة على أن الإخوة لا يرثون مع ابن ولا مع أب، وعلى هذا مضت الأمصار والأعصار، وقرأ جمهور الناس- «يورَث» بفتح الراء، وقرأ الأعمش وأبو رجاء- «يورِّث»- بكسر الراء وتشديدها، قال أبو الفتح بن جني‏:‏ قرأ الحسن «يورث» من أورث، وعيسى «يورّث» بشد الراء من ورث، والمفعولان على كلتا القراءتين محذوفان، التقدير‏:‏ يورث وارثة كلالة، ونصب ‏{‏كلالة‏}‏ على الحال، واختلوا في «الكلالة» فيما وقعت عليه في هذه الآية، فقال عمر وابن عباس‏:‏ «الكلالة» الميت الموروث إذا لم يكن له أب، ونصبها على خبر كان، وقال ابن زيد‏:‏ «الكلالة» الوارثة بجملتها، الميت والأحياء كلهم «كلالة»، ونصبها على الحال أو على النعت لمصدر محذوف تقديره وراثة «كلالة»، ويصح على هذا أن تكون ‏{‏كان‏}‏ تامة بمعنى وقع، ويصح أن تكون ناقصة وخبرها ‏{‏يورث‏}‏ وقال عطاء‏:‏ «الكلالة» المال، ونصب على المفعول الثاني‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والاشتقاق في معنى لكلالة يفسد تسمية المال بها، وقالت طائفة‏:‏ الكلالة الورثةَ، وهذا يستقيم على قراءة «يورِث» بكسر الراء، فينصب ‏{‏كلالة‏}‏ على المفعول، واحتج هؤلاء بحديث جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عيله وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، إنما يرثني «كلالة» أفأوصي بمالي كله‏؟‏ وحكى بعضهم‏:‏ أن تكون «الكلالة» الورثة، ونصبها على خبر ‏{‏كان‏}‏، وذلك بحذف مضاف، تقديره ذا كلالة، ويستقيم سائر التأويلات على كسر الراء، وقوله ‏{‏أو امرأة‏}‏ عطف على الرجل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله أخ أو أخت‏}‏ الآية، الضمير في له عائد على الرجل، واكتفى بإعادته عليه دون المرأة، إذ المعنى فيهما واحد، والحكم قد ضبطه العطف الأول، وأصل ‏{‏أخت‏}‏‏:‏ أخوة، كما أصل بنت‏:‏ بنية، فضم أول أخت إذ المحذوف منها واو، وكسر أول بنت إذ المحذوف ياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس، وأجمع العلماء على أن الإخوة في هذه الآية الإخوة لأم، لأن حكمهم منصوص في هذه الآية على صفة، وحكم سائر الإخوة مخالف له، وهو الذي في كلالة آخر السورة، وقرأ سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت لأمه» والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء، وشركتهم في الثلث متساوية وإن كثروا، هذا إجماع، فإن ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وإخوة أشقاء، فللزوج النصف، وللأم السدس وما بقي فللإخوة، فإن كانوا لأم فقط، فلهم الثلث، فإن تركت الميتة زوجاً وأماً وإخوين لأم وإخوة لأب وأم، فهذه الحمارية، قال قوم‏:‏ فيها للإخوة للأم الثلث، ولا شيء لللإخوة الإشقاء، كما لو مات رجل وخلف أخوين لأم، وخلف مائة أخ لأب وأم، فإنه يعطى الأخوان الثلث، والمائة الثلثين، فيفضلون بالثلث عليهم، وقال قوم‏:‏ الأم واحدة وهب أباهم كان حماراً، وأشركوا بينهم في الثلث وسموها أيضاً المشتركة‏.‏

قال القاضي ابو محمد‏:‏ ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلاً، لأنه يبقى للأشقاء، ومتى بقي لهم شيء فليس لهم إلا ما بقي، والثلث للإخوة للأم‏.‏

‏{‏غير مضار‏}‏ نصب على الحال، والعامل ‏{‏يوصى‏}‏ و‏{‏وصية‏}‏ نصب على المصدر في موضع الحال، والعامل ‏{‏يوصيكم‏}‏ وقيل‏:‏ هو نصب على الخروج من قوله‏:‏ ‏{‏فلكل واحد منهما السدس‏}‏ أو من قوله ‏{‏فلهم شركاء في الثلث‏}‏ ويصح أن يعمل ‏{‏مضار‏}‏ وفي ‏{‏وصية‏}‏، والمعنى‏:‏ أن يقع الضرر بها، وبسببها، فأوقع عليها تجوزاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «غير مضار وصية» بالإضافة، كما تقول‏:‏ شجاع حرب، ومدره حرب، وبضة المتجرد، في قوله طرفة بن العبد، والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى، وقال ابن عباس‏:‏ الضرار في الوصية من الكبائر، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من ضارَّ في وصية ألقاه الله تعالى في وادٍ في جهنم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ووجوه المضارَّة كثيرة لا تنحصر، وكلها ممنوعة‏:‏ يقر بحق ليس عليه، ويوصي بأكثر من ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فراراً عن وارث محتاج، وغير ذلك، ومشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارَّة ما دام في الثلث، فإن ضارّ الورثة في ثلثه مضى ذلك، وفي المذهب قوله‏:‏ إن المضارة ترد وإن كانت في الثلث، إذا علمت بإقرار أو قرينة ويؤيد هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 182‏]‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 14‏]‏

‏{‏تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏13‏)‏ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تلك حدود الله‏}‏ الآية ‏{‏تلك‏}‏ إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث، والحد‏:‏ الحجز المانع لأمر ما أن يدخل على غيره أو يدخل عليه غيره، ومن هذا قولهم للبواب حداد لأنه يمنع، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها عن الزينة، هذا هو الحد في هذه الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏من تحتها‏}‏ يريد من تحت بنائها، وأشجارها الذي من أجله سميت جنة، لأن أنهار الجنة إنما هي على وجه أرضها في غير أخاديد، وحكى الطبري‏:‏ أن الحدود عند السدي هنا شروط الله، وعند ابن عباس‏:‏ طاعة الله، وعند بعضهم، سنة الله، وعند بعضهم، فرائض الله، وهذا كله معنى واحد وعبارة مختلفة، و‏{‏خالدين‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هي حالة على التقدير، أي مقدرين ‏{‏خالدين فيها‏}‏ وجمع ‏{‏خالدين‏}‏ على معنى ‏{‏من‏}‏ بعد أن تقدم الإفراد مراعاة للفظ ‏{‏من‏}‏ وعكس هذا لا يجوز‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يعص الله ورسوله‏}‏ الآية، قرأ نافع وابن عامر «ندخله» بنون العظمة، وقرأ الباقون يدخله بالياء فيهما جميعاً، وهذه آيتا وعد ووعيد، وتقدم الإيجاز في ذلك، ورجَّى الله تعالى على التزام هذه الحدود في قسمة الميراث، وتوعد على العصيان فيها بحسب إنكار العرب لهذه القسمة، وقد كلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن وغيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ‏(‏15‏)‏ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله ‏{‏واللاتي‏}‏‏:‏ اسم جمع التي، وتجمع أيضاً على «اللواتي»، ويقال‏:‏ اللائي بالباء، و‏{‏الفاحشة‏}‏ في هذا الموضع‏:‏ الزنا، وكل معصية فاحشة، لكن الألف واللام هنا للعهد، وقرأ ابن مسعود «بالفاحشة» ببناء الجر وقوله‏:‏ ‏{‏من نسائكم‏}‏ إضافة في معنى الإسلام، لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب، ولا يلحقها هذا الحكم، وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء، تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقال قوم‏:‏ ذلك ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ضعيف، وكانت هذه أول عقوبات الزناة- الإمساك في البيوت، قال عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد‏:‏ حتى نسخ بالأذى الذي بعده ثم نسخ ذلك بآية النور وبالرجم في الثيب وقالت فرقة‏:‏ بل كان الأذى هو الأول، ثم نسخ بالإمساك ولكن التلاوة أخرت وقدمت، ذكره ابن فورك، و‏{‏سبيلاً‏}‏ معناه مخرجاً بأمر من أوامر الشرع، وروى حطان بن عبد الله الرقاشي عن عمران بن حصين، أنه قال‏:‏ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه الوحي، ثم أقلع عنه ووجهه محمر، فقال‏:‏ قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم‏.‏

‏{‏واللذان‏}‏- تثنية الذي، وكان القياس أن يقال‏:‏ اللذيان كرحيان المتمكنة وبين الأسماء المبهمات‏.‏ قال أبو علي‏:‏ حذفت الياء تخفيفاً إذا قد أمن من اللبس في اللذان، لأن النون لا تنحذف ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين، وقرأ ابن كثير «اللذانّ» بشد النون، وتلك عوض من الياء المحذوفة، وكذلك قرأ هذان، وفذانك وهاتين، بالتشديد في جميعها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بتخفيف جميع ذلك، وشداد أبو عمرو، «فذانك» وحدها ولم يشدد غيرها، ‏{‏واللذان‏}‏ رفع بالابتداء، وقيل على معنى‏:‏ فيما يتلى عليكم «اللذان» واختلف في الأذى، فقال عبادة والسدي‏:‏ هو التعيير والتوبيخ وقالت فرقة‏:‏ هو السبُّ والجفاء دون تعيير، وقال ابن عباس‏:‏ هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، قال مجاهد وغيره‏:‏ الآية الأولى في النساء عامة لهن، محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال، وبين بلفظ التثنية صنفي الرجال ممن أحصن وممن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة عليه، ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى ‏{‏من نسائكم‏}‏ وقوله في الثانية ‏{‏منكم‏}‏، وقال السدي وقتادة وغيرهما‏:‏ الآية الأولى في النساء المحصنات، يريد ويدخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والآية الثانية هي في الرجل والمرأة البكرين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ومعنى هذا القول تام، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه، وقد رجحه الطبري، وقرأ ابن مسعود «والذين يفعلونه منكم» وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، إلا من قال‏:‏ إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وآية الجلد عامة في الزناة محصنهم وغير محصنهم، وكذلك عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حطان بن عبد الله الرقاشي الذي ذكرته آنفاً، وإن كان في صحيح مسلم فهو خبر آحاد، ثم ورد بالخبر المتواتر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ولم يجلد، فمن قال‏:‏ إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، جعل رجم الرسول دون جلد ناسخاً لجلد الثيب، وهذا الذي عليه الأئمة‏:‏ أن السنة المتواترة تنسخ القرآن، إذ هما جميعاً وحي من الله، ويوجبان جميعاً العلم والعمل، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، وصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر ماعز، وفي حديث الغامدية، وفي حديث المرأة التي بعث إليها أنيس، ومن قال إن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، قال‏:‏ إنما يكون حكم القرآن موقفاً، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن تتناول نسخاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تخيل لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع بحكمها ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ، ولا يرد ذلك نظر، ولا ينخرم منه أصل، أما أن هذه النازلة بعينها يتوجه عندي أن يقال فيها‏:‏ إن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه، وفي قوله تعالى‏:‏ الشيخ والشيخة- إذا زنيا- فارجمهوها البتة، وهذا نص في الرجم، وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة، وذكر أنهم قرأوه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال له‏:‏ فاقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لأقضين بينكما بكتاب الله» ثم أمر أنيساً برجم المرأة إن هي اعترفت، فدل هذا الظاهر على أن الرجم كان في القرآن، وأجمعت الأمة على رفع لفظة، وهاتان الآيتان أعني الجلد والرجم لو لم يقع بيان من الرسول لم يجب أن تنسخ إحداهما الأخرى، إذ يسوغ اجتماعهما على شخص واحد، وحديث عبادة المتقدم يقوى جميعهما، وقد أخذ به علي رضي الله عنه في شراحة جلدها ثم رجمها، وقال‏:‏ أجلدها بكتاب الله وأرجمها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه، ولكن لما بين الرسول برجمه دون جلد كان فعله بمثابة قوله مع هذه الآية‏:‏ فقوا ولا تجلدوا فيكون القرآن هو الناسخ والسنة هي المبينة ويصح أن نعترض من ينسخ بالسنة في هذه النازلة فنقول‏:‏ الناسخ من شروطه أن يستقل في البيان بنفسه، وإذا لم يستقل فليس بناسخ، وآية الرجم بعد أن يسلم ثبوتها لا تستقل في النسخ بنفسها، بل تنبني مع الجلد وتجتمع، كما تضمن حديث عبادة بن الصامت، لكن إسقاط الرسول الجلد هو الناسخ، لأن فعله في ذلك هو بمنزلة قوله‏:‏ لا تجلدوا الثيب، وأما البكر فلا خلاف أنه يجلد، واختلف في نفيه، فقال الخلفاء الأربعة وابن عمر ومالك والشافعي وجماعة‏:‏ لا نفي اليوم، وقالت جماعة‏:‏ ينفى وقيل‏:‏ نفيه سجنه، ولا تنفى المرأة ولا العبد، هذا مذهب مالك وجماعة من العلماء، وقوله‏:‏ ‏{‏فأعرضوا عنهما‏}‏ كانت هذه العقوبة من الإمساك والأذى إرادة أن يتوب الزناة، وهو الرجوع عن الزنا والإصرار عليه، فأمر الله تعالى المؤمنين، إذا تاب الزانيان وأصلحا في سائر أعمالهما أن يكف عنهما الأذى، وجاء الأمر بهذا الكف الذي هو «أعرضوا» وفي قوة اللفظ غض من الزناة وإن تابوا، لأن تركهم إنما هو إعراض، ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏

‏{‏وأعرض عن الجاهلين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 199‏]‏ وليس الإعراض في الآيتين أمراً بهجرة، ولكنها متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بحسب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى، والله تعالى تواب، أي راجع بعباده عن المعاصي إلى تركها ولزوم الطاعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏17‏)‏ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏إنما‏}‏ حاصرة، وهو مقصد المتكلم بها أبداً، ققد تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الله إله واحد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏ وقد تصادف من المعنى ما لا يقتضي العقل فيه الحصر، كقوله‏:‏ إنما الشجاع عنترة فيبقى الحصر في مقصد المادح، ويتحصل من ذلك لكل سامع تحقيق هذه الصفة للموصوف بمبالغة، وهذه الآية مما يوجب النظر فيها أنها حاصرة، وهي في عرف الشرع‏:‏ الرجوع من شر إلى خير، وحد التوبة‏:‏ الندم على فارط فعل، من حيث هو معصية الله عز وجل، وإن كان الندم من حيث أضر ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس بتوبة، فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم فعله في المستأنف فمن شروط التوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف، وإلا فثم إصرار لا توبة معه، وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه، مثل أن يتوب من الزنا فيجب بأثر ذلك ونحو ذلك، فهذا لا يحتاج إلى شرط العزم على الترك، والتوبة فرض على المؤمنين بإجماع الأمة، والإجماع هي القرينة التي حمل بها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتوبوا إلى الله جميعاً‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏ على الوجوب، وتصح التوبة من ذنب من الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافاً للمعتزلة في قولهم‏:‏ لا يكون تائباً من أقام على ذنب، وتصح التوبة وإن نقضها التائب في ثاني حال بمعاودة الذنب، فإن التوبة الأولى طاعة قد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد موافقة الذنب إلى توبة أخرى مستأنفة، والإيمان للكافر ليس نفس توبته، وإنما توبته ندمه على سالف كفره، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على الله‏}‏ فيه حذف مضاف تقديره‏:‏ على فضل الله ورحمته لعباده، وهذا نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل‏:‏ يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد‏؟‏ قال الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سكت قليلاً، ثم قال‏:‏ يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله‏؟‏ قال الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ أن يدخله الجنة، فهذا كله إنما معناه‏:‏ ما حقهم على فضل الله ورحمته، والعقيدة‏:‏ أنه لا يجب على الله تعالى شيء عقلاً، لكن إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعاً، فمن ذلك تخليد الكفار في النار، ومن ذلك قبول إيمان الكافر، والتوبة لا يجب قبولها على الله تعالى عقلاً، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب، قال أبو المعالي وغيره‏:‏ فهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن لا قطعاً على الله بقبول التوبة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى، فإذا فرضنا رجلاً قد تاب توبة نصوحاً تامة الشروط، فقول أبي المعالي يغلب على الظن قبول توبته، وقال غيره‏:‏ يقطع على الله تعالى بقبول توبته، كما أخبر عن نفسه عز وجل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وكان أبي رحمة الله عليه يميل إلى هذا القول ويرجحه، وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي يقبل التوبة عن عباده‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 25‏]‏ وقوله ‏{‏وإني لغفار لمن تاب وآمن‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 82‏]‏ و‏{‏السوء‏}‏ في هذه الآية يعم الكفر والمعاصي، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بجهالة‏}‏ معناه‏:‏ بسفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية، وليس المعنى أن تكون «الجهالة» أن ذلك الفعل معصية، لأن المعتمد للذنوب كان يخرج من التوبة، وهذا فاسد إجماعاً، وبما ذكرته في «الجهالة» قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك عنهم أبو العالية، وقال قتادة‏:‏ اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمداً كانت أو جهلاً، وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي، وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا‏:‏ «الجهالة» هنا العمد، وقال عكرمة‏:‏ أمور الدنيا كلها «جهالة»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله، وهذا المعنى عندي جار مع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الحياة الدنيا لعب ولهو‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 36، الحديد‏:‏ 20‏]‏ وقد تأول قول عكرمة بأنه للذين يعملون السوء في الدنيا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فكأن «الجهالة» اسم للحياة الدنيا، وهذا عندي ضعيف، وقيل ‏{‏بجهالة‏}‏، أي لا يعلم كنه العقوبة، وهذا أيضاً ضعيف، ذكره ابن فورك ورد عليه، واختلف المتأولون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من قريب‏}‏ فقال ابن عباس والسدي‏:‏ معنى ذلك قبل المرض والموت، وقال أبو مجلز ومحمد بن قيس والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم‏:‏ معنى ذلك قبل المعاينة للملائكة والسوق، وأن يغلب المرء على نفسه، وروى أبو قلابة، أن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف، ثم جرى له ما جرى ولعن وأنظر، قال‏:‏ وعزتك لا برحت من قلبه ما دام فيه الروح، فقال الله تعالى‏:‏ وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فابن عباس رضي الله عنه ذكر أحسن أوقات التوبة، والجمهور حددوا آخر وقتها، وقال إبراهيم النخعي‏:‏ كان يقال‏:‏ التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يؤخذ بكظمه، وروى بشير بن كعب والحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لأن الرجاء فيه باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل في المستأنف، فإذا غلب تعذرت التوبة لعدم الندم والعزم على الترك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من قريب‏}‏ إنما معناه‏:‏ «من قريب» إلى وقت الذنب، ومدة الحياة كلها قريب، والمبادر في الصحة أفضل، والحق لأمله من العمل الصالح، والبعد كل البعد الموت، ومنه قول مالك بن الريب‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إلاّ مَكَانِيَا *** وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكان الله عليماً حكيماً‏}‏ أي بمن يتوب وييسره هو للتوبة حكيماً فيما ينفذه من ذلك، وفي تأخير من يؤخر حتى يهلك‏.‏

ثم نفى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليست التوبة‏}‏ الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته وصار في حيز اليأس، وحضور الموت هو غاية قربه، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان، وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجماعة المفسرين، وقاله الربيع‏:‏ الآية الأولى قوله‏:‏ ‏{‏إنما التوبة على الله‏}‏ هي في المؤمنين، والآية الثانية قوله‏:‏ ‏{‏وليست التوبة‏}‏ الآية نزلت في المسلمين ثم نسخت بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48، 116‏]‏ فحتم أن لا يغفر للكافر وأرجأ المؤمنين إلى مشيئته لم ييئسهم من المغفرة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وطعن بعض الناس في هذا القول بأن الآية خبر، والأخبار لا تنسخ‏.‏ وهذا غير لازم، لأنه الآية لفظها الخبر، ومعناه تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 284‏]‏ ونحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين‏}‏ ‏[‏سورة الأنفال‏:‏ 65‏]‏ وإنما يضعف القول بالنسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى تقرير نسخ، لأن هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الذي لم يتب من قريب، فنحتاج أن نقول، إن قوله‏:‏ ‏{‏ويغفر ما دون ذلك‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48، 116‏]‏ نسخها وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائباً من لم يتب إلا مع حضور الموت، فالعقيدة عندي في هذه الآيات‏:‏ أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم‏:‏ بل هو مغفور له قطعاً، لإخبار الله تعالى بذلك، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين، فإن كان كافراً فهو يخلد، وإن كان مؤمناً فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوي الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلاً منه ولا يعذبه وأعلم الله تعالى أيضاً أن ‏{‏الذين يموتون وهم كفار‏}‏ فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً‏}‏ إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فقط، فالعذاب عذاب خلود، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد، ممن لا يتوب إلا مع حضور الموت من العصاة فهو في جهة هؤلاء، عذاب ولا خلود معه، و‏{‏أعتدنا‏}‏ معناه‏:‏ يسرناه وأحضرناه، وظاهر هذه الآية أن النار مخلوقة بعد‏.‏